محمد هادي معرفة

581

التمهيد في علوم القرآن

أعرضوا عنها وتركوها وراء ظهورهم - بحمار يحمل كتبا كثيرة فوق ظهره ، لا يدري ما اشتملت عليه من أنواع الهداية ، فهكذا حال اليهود يتلون التوراة وهم أبعد الناس عن العمل بها ، وعن المواظبة على ما تضمّنته من الأوامر والنواهي . وثالثها : ضعف الإيمان ورقّته وتلاشي أمره وعدم الثبوت عليه ، وأنه يضمحلّ عن القلوب بأدنى شيء ، كما ضربه اللّه مثلا لمن هذه حاله في ضعف إيمانه ، وأنه على غير قرار من أمره فيه ، وأنه على شرف الانقلاب إلى الكفر ، بغزل العنكبوت وبيتها ، فإنه من أضعف الأشياء قواما ، وأرقّها حالة ، يتغيّر بقوّة الريح ، فضلا عمّا وراء ذلك من الأمور الصلبة التي تقاربه ، فهكذا حال من لا وثاقة له في الدين ، فإنه عن قريب ينكص على عقبيه . ورابعها : التلاشي في البطلان ، كما قال اللّه تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا « 1 » وضربه اللّه تعالى مثلا لبطلان أعمال الكفرة وأنه لا فائدة فيما عملوه ولا جدوى له بالتراب الدقيق الواقع على حجر صلد أملس ، فيصيبه المطر ، فإنه أسرع شيء في الذهاب ، وأبطل ما يكون عند وقوع الماء عليه ، فهكذا حال الكفر ، فإنه إذا صادف الأعمال من غير قرار على الإيمان فإنه يبطلها ويذهبها لا محالة . وخامسها : قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ « 2 » فالغرض ممّا ذكره من التشبيه هو تشبيه حال الكفّار فيما هم فيه من الكفر ، والتمادي على الجحود والإصرار ، بمن أصابته هذه الأمور الهائلة ، فهو على قلق وخوف وإشفاق على نفسه مع الغمّ والألم ممّا يلاقي من هذه الأشياء النازلة به ، فهكذا حال الكفّار فيما وقعوا فيه من ظلم الكفر وحيرته ، لا يأمنون ممّا يقع عليهم من الحوائج

--> ( 1 ) البقرة : 264 . ( 2 ) البقرة : 19 .